بقلم : دعاء أبوسعدة
في الذكرى الثامنة والعشرين بعد المئة لميلاد الصحافة الكردية، لا تبدو الحكاية مجرد تاريخ لصحيفة صدرت، بل أشبه بولادة صوت قاوم النسيان، وتمرد على الجغرافيا، وكتب ذاته في وجه الصمت.
إنها لحظة يتقاطع فيها الحبر مع الهوية، واللغة مع المصير، حيث لم تكن الكلمة الكردية يوما ترفا ثقافيا، بل كانت فعل بقاء.
من القاهرة بدأت الحكاية الحديثة. مدينة لم تكن فقط عاصمة سياسية، بل مختبرا حضاريا مفتوحا، يتنفس التعدد ويحتضن المختلف.
هناك، في 22 أبريل 1898، خرجت صحيفة “كردستان” إلى الضوء، لا كمنشور عابر، بل كبيان وجود.
أسسها الأمير مقداد مدحت بدرخان، مستفيدا من مناخ النهضة الفكرية المصرية، ليحول القاهرة إلى منصة تخاطب عبرها اللغة الكردية العالم، في زمن كانت فيه تلك اللغة تضيق بها حدودها الطبيعية.
لم يكن اختيار مصر مصادفة، بل قدرا ثقافيا.
فالقاهرة، التي عرفت عبر قرون “رواق الكرد” في الأزهر، كانت قد رسخت مبكرا تقليدا عميقا من التفاعل المعرفي، حيث لم تعامل الهويات بوصفها تهديدا، بل بوصفها إثراء.
وهنا تحديدا تكمن فرادة التجربة: مصر لم “تستضف” اللغة الكردية، بل منحتها فضاء لتعرف نفسها بنفسها.
ومع منتصف القرن العشرين، دخل هذا الدور مرحلة أكثر جرأة.
في زمن كانت فيه خرائط النفوذ تعاد رسمها، اختارت القاهرة أن تنحاز إلى ما هو أبعد من السياسة إلى الحق الثقافي.
في عام 1957، انطلق القسم الكردي في إذاعة القاهرة، ليكون أول صوت إذاعي كردي منظم، يعبر الأثير نحو ملايين الأكراد في العراق وإيران وسوريا وما وراءها.
لم يكن البث مجرد برنامج، بل كان نافذة رمزية
أن تتكلم بلغتك يعني أن ترى.
في سياق إقليمي مشحون، حيث كان “حلف بغداد” يعيد ترتيب موازين القوى، بدا هذا القرار أقرب إلى موقف فلسفي منه إلى خطوة إعلامية.
فقد أدركت مصر، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، أن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل وعاء للكرامة. لذلك جاء افتتاح القسم الكردي تعبيرا عن رؤية تعتبر أن الاعتراف الثقافي هو أحد أركان العدالة.
لم يكن غريبا أن يثير هذا الصوت غضبا إقليميا واسعا.
فاللغة حين تبث، تتحول إلى حضور، والحضور إلى قضية.
ومع ذلك، صمدت القاهرة، وواصلت الإذاعة تقديم محتوى غني من الشعر والأدب، إلى التحليل السياسي، ومن الأغاني إلى التاريخ، وكأنها تعيد نسج الذاكرة الكردية عبر الأثير.
كانت ساعة بث يومية، لكنها في الوجدان الكردي امتدت من كزمن كامل.
وحين أُغلق القسم عام 1968 تحت ضغوط دولية، لم يغلق الأثر.
بقي الأرشيف شاهدا، وبقيت التجربة درسا
أن الثقافة قد تحاصر، لكنها لا تمحى.
اليوم، ونحن نستعيد 128 عاما من الصحافة الكردية، تبدو القاهرة أكثر من محطة تاريخية تبدو فكرة.
فكرة أن المدن الكبرى لا تقاس باتساعها الجغرافي، بل بقدرتها على احتواء أصوات الآخرين.
وأن اللغة، أي لغة، حين تجد من يصونها، تتحول من أداة تعبير إلى شكل من أشكال الحرية.
في النهاية، ليست الصحافة الكردية مجرد صفحات تقلب، بل ذاكرة تقاوم.
ومصر، في هذا السياق، لم تكن مجرد شاهد على تلك الذاكرة، بل أحد كتابها