بقلم دعاء أبوسعدة
في النمسا، لا يأتي عيد الأم كطقس عاطفي عابر، بل كمرآة دقيقة تعكس شكل المجتمع نفسه
كيف يرى المرأة، وكيف يوزع الأدوار، وكيف يجمل أحيانا ما ينبغي أن يراجع بصدق.
هنا، في بلد يصنف ضمن أكثر دول العالم استقرارا و جودة للحياة، يبدو الاحتفاء بالأم مختلفا
أقل صخبا، وأكثر عمقا… لكنه أيضا يفتح بابا واسعا للأسئلة.
في شوارع فيينا الهادئة، تتحول واجهات الزهور إلى لغة كاملة.
الوردة هنا ليست مجرد هدية، بل اعتراف رمزي بأن الأم ما زالت تقوم بالدور الأصعب في العالم دون ضجيج
الحفاظ على التوازن الإنساني داخل مجتمع يزداد سرعة وبرودة وتكنولوجيا.
لكن خلف هذا المشهد الأنيق، ثمة حقيقة لا تقال كثيرا
حتى أكثر المجتمعات تقدما لم تنجح بالكامل في تحرير الأم من “الوظيفة المزدوجة” العمل خارج المنزل، والعمل الأبدي داخله.
النمسا، التي تحتفي اليوم بعيد الأم، تبدو كأنها تطرح سؤالا فلسفيا أكثر من تقديمها إجابة
هل تكفي الورود لتعويض الإرهاق غير المرئي؟
وهل أصبح عيد الأم مناسبة للاعتراف الحقيقي، أم مجرد هدنة عاطفية قصيرة قبل عودة المرأة إلى دوامة التفاصيل اليومية؟
المفارقة اللافتة أن المجتمعات الأوروبية الحديثة، رغم دفاعها الكبير عن الاستقلالية الفردية، أعادت اكتشاف قيمة الأم بعد سنوات من هيمنة الفردانية.
فالعالم الذي بالغ في تمجيد النجاح الشخصي، عاد ليكتشف أن أكثر العلاقات إنسانية واستقرارا تبدأ من حضن أم، لا من خوارزميات الحياة الحديثة.
وفي النمسا تحديدا، حيث النظام والدقة واحترام الوقت، ما تزال الأم تمثل المساحة الوحيدة التي لا تقاس بالإنجازات الرقمية ولا بالإنتاجية الاقتصادية.
إنها “الذاكرة الحية” للعائلة، والحارس الأخير لفكرة الدفء في عالم يزداد برودة كل يوم.
لكن ربما أجمل ما في عيد الأم هنا، أنه لا يحتفل بالأم المثالية، بل بالأم الحقيقية المتعبة أحيانا، القلقة أحيانا، القوية والمنهكة في آن واحد. تلك التي لا تظهر في الإعلانات اللامعة، بل في التفاصيل الصغيرة انتظار الأبناء، القهوة الباردة على الطاولة، الرسائل غير المجابة، والخوف الدائم الذي لا يراه أحد.
عيد الأم في النمسا ليس مجرد مناسبة اجتماعية… بل فرصة نادرة لمراجعة مفهوم الرعاية نفسه في العالم الحديث.
فمنذ سنوات، والعالم يتحدث عن الاقتصاد والطاقة والذكاء الاصطناعي، لكنه نسي أن الحضارات لاتبنى فقط بالمصانع والتكنولوجيا، بل بأمهات استطعن، رغم كل شيء، أن يحافظن على ما تبقى من الإنسان داخل الإنسان