رئيس مجلس الإدارة

الدكتور محمود حسين

المشرف علي التحرير

علاء ثروت خليل

رئيس التحرير

محمد صلاح

رئيس التحرير التنفيذي

نشأت حمدي

الإثنين 11 مايو 2026

Search
Close this search box.

الإثنين 11 مايو 2026

رئيس مجلس الإدارة

الدكتور محمود حسين

المشرف علي التحرير

علاء ثروت خليل

رئيس التحرير

محمد صلاح

رئيس التحرير التنفيذي

نشأت حمدي

أوروبا

الإنسانية لا وطن لها… لكنها سكنت قلب حمدي السوري

فيينا – دعاء أبوسعدة

ليست الإنسانية جنسية تكتب في جواز سفر، ولا اسما يعلق على حدود الدول، بل هي ذلك الضوء الخفي الذي يسكن بعض الأرواح، فيحول الإنسان إلى وطن للأمان، وإلى يد تمتد في اللحظة التي يعجز فيها الجميع عن الوصول.

 

وحين يهب الله إنسانا قلبا يعرف الرحمة، فهو لا يمنحه صفة عابرة، بل يرزقه نعمة من أندر نعم الحياة نعمة أن يشعر بأوجاع الآخرين كأنها جزء من روحه، وأن يرى في إنقاذ إنسان واجبا أخلاقيا لا يحتاج إلى ضجيج أو إعلان.

 

في فيينا، وبين تفاصيل حياة تمضي سريعا، كتبت حكاية لم تكن عن المال بقدر ما كانت عن المعنى الحقيقي للنبل.

البطل فيها لم يكن سياسيا، ولا صاحب منصب، بل إنسانا اختار أن ينتصر لقيمة الرحمة قبل أي اعتبار… الأستاذ محمد مصطفى حمدي، المعروف بين الجميع بـ«حمدي السوري»، صاحب مطعم «ياسمين الشام»، الذي تحول في لحظة صادقة إلى صورة حية لمعنى الأخوة العربية والإنسانية النبيلة.

 

البداية كانت مع حادث مأساوي تعرض له شاب مصري، أحد أعضاء جروب «نجوم الرياضة»، أثناء مشاركته في مباراة رياضية، حيث أصيب إصابة بالغة أدت إلى انفصال القدم عن مشط الساق، في مشهد قاس احتاج إلى تدخل جراحي عاجل لإنقاذ قدمه ومستقبله.

 

لكن المأساة لم تتوقف عند حدود الألم الجسدي.

 

فالشاب، بسبب دخوله عبر الهجرة غير الشرعية، لم يكن يمتلك تأمينا صحيا، فيما بلغت تكلفة العملية نحو 11 ألف يورو؛ رقم بدا في تلك اللحظة أكبر من قدرة أصدقائه ومحبيه، رغم كل المحاولات الصادقة التي بذلتها المجموعة وأبناء الجالية المصرية لجمع المبلغ.

وبعد جهود مضنية، لم يتمكنوا سوى من توفير خمسة آلاف يورو، بينما بقيت ستة آلاف أخرى معلقة بين شاب ينتظر فرصة للحياة، وبين وقت لا يرحم.

 

وهنا… ظهر الإنسان.

 

حين وصلت القصة إلى الأستاذ حمدي السوري، لم يسأل عن القرابة، ولم يبحث عن مبررات، ولم ينتظر حملة إعلامية أو دعوات شكر. اكتفى بجملة واحدة اختصرت اتساع قلبه

 

«أنا أدفع المبلغ المتبقي بالكامل».

 

في تلك اللحظة، لم يكن يتصرف كرجل أعمال، بل كإنسان أدرك أن بعض المواقف لا تحتمل الحسابات، وأن تأخير الرحمة قد يكون شكلا آخر من أشكال القسوة.

 

دفع المبلغ المتبقي فورا، لينهي رحلة القلق، وينتشل شابا من حافة العجز، في موقف إنساني نادر، أعاد التذكير بأن الخير الحقيقي لا يصنع ضجيجا… بل يصنع أثرا.

 

ولم تتوقف إنسانيته عند حدود تكلفة العملية الجراحية، بل امتدت إلى ما بعد الألم نفسه.

 

فبعد نجاح العملية، أدرك الأستاذ حمدي السوري أن معركة الشاب لم تنته داخل غرفة الجراحة، بل بدأت منها إذ أصبح غير قادر على الحركة أو العمل خلال فترة التعافي.

 

لذلك تحمل أيضا مصاريف معيشته كاملة لمدة شهر، حتى لا يجد نفسه وحيدا في مواجهة قسوة المرض ومتطلبات الحياة.

 

وكأن الرجل لم يكن يقدم مساعدة مالية فحسب، بل كان يرمم شعورا بالأمان داخل روح أنهكها الوجع والخوف والغربة.

 

فهناك فرق كبير بين من يساعد لأن الموقف يفرض عليه ذلك، وبين من يمنح الآخر شعورا بأنه ليس متروكا في هذا العالم.

ولأن المواقف العظيمة لا تمر بصمت، جاء التكريم في أمسية حملت الكثير من الوفاء، خلال حفل تكريم المستشار محمد البحيري، القنصل المصري السابق لدى النمسا، بمناسبة انتهاء فترة عمله.

 

وحين علم المستشار البحيري بهذه اللفتة النبيلة، عبر عن تقديره الكبير، ووجه الشكر باسم كل المصريين لهذا النموذج الإنساني الراقي، الذي أثبت أن الشهامة لا تحتاج إلى هوية، وأن القلوب الكبيرة تعرف بأفعالها لا بألقابها.

 

كما قام المستشار محمد سامح، القنصل المصري الجديد لدى النمسا، بتقديم درع تكريمي للأستاذ حمدي السوري، في مشهد حمل معنى أعمق من مجرد التكريم؛ إذ بدا وكأن الإنسانية نفسها كانت تكرم في تلك اللحظة.

 

ولأن الكلمة الصادقة تبقى أبلغ من أي خطاب، عبر الأستاذ أحمد الصعيدي، رئيس جروب «نجوم الرياضة»، عن شكره وامتنان الجالية المصرية لهذا الموقف الذي تجاوز حدود المساعدة إلى مساحة الوفاء الأخلاقي النادر.

 

أما المشهد الذي اختصر كل شيء، فكان حين وقف «حمدي السوري» بكل تواضع، وقال:

 

«أنا سوري… لكني أحب مصر والمصريين، وأشعر أنني مصري».

 

لم تكن جملة عابرة، بل كانت درسا كاملا في معنى الانتماء الحقيقي ذلك الانتماء الذي لا تصنعه الجغرافيا، بل تصنعه المحبة والمواقف النبيلة.

 

في تلك الليلة، لم يكن الحضور يصفق لرجل دفع مالا، بل لإنسان أعاد للجميع إيمانهم بأن الخير ما زال ممكنا،

وأن الأوطان الحقيقية قد تسكن أحيانا داخل قلب إنسان.

 

فبعض البشر لا يمرون في الحياة كأسماء… بل كرسائل رحمة أرسلها الله لتذكر العالم أن الإنسانية، حين تكون صادقة، تصبح أعظم من كل الحدود