فيينا دعاء أبوسعدة
في أجواء فكرية مكثفة داخل مركز فيينا الدولي، برزت المملكة المغربية بوصفها أحد الفاعلين المرجعيين في إعادة تعريف مقاربة مكافحة التطرف العنيف، من خلال فعالية جانبية رفيعة المستوى نظمتها البعثة الدائمة للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة في فيينا، بشراكة مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) – فرع منع الإرهاب، تحت عنوان “النموذج المغربي لمكافحة التطرف : عقدان من المصالحة وإعادة التأهيل والوقاية”، وذلك على هامش الدورة الخامسة والثلاثين للجنة منع الجريمة والعدالة الجنائية (CCPCJ).


اللقاء لم يكن مجرد استعراض لتجربة وطنية، بل بدا أقرب إلى منصة أممية لإعادة التفكير في مفهوم الأمن ذاته، حيث تداخلت المقاربات القانونية والجنائية مع البعد الإنساني والاجتماعي والروحي، في محاولة للإجابة عن سؤال بات مركزيا في النقاش الدولي
كيف يمكن تفكيك جذور التطرف قبل مواجهته أمنيا؟
السفير فرحان: التطرف معركة على العقول قبل أن يكون صراعا على الأرض
في كلمته الافتتاحية، قدم السفير عز الدين فرحان، سفير المملكة المغربية لدى النمسا والمندوب الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في فيينا، رؤية استراتيجية تعتبر أن التطرف العنيف ليس مجرد تهديد أمني، بل “اختلال عميق في منظومة المعنى والانتماء والعدالة الاجتماعية”.
وأكد السفير أن التجربة المغربية، الممتدة على مدى عقدين تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تمثل تحولا نوعيا من المقاربة الأمنية التقليدية إلى مقاربة شمولية متكاملة تقوم على ثلاثية مترابطة: الوقاية، وإعادة التأهيل، وإعادة الإدماج.
وشدد على أن المغرب انطلق من قناعة مركزية مفادها أن “الأمن المستدام لا يبنى فقط عبر الردع، بل عبر بناء مجتمعات قادرة على إنتاج المناعة الفكرية والاجتماعية ضد التطرف”، من خلال التعليم، والإصلاح الديني، والتنمية، وتعزيز الثقة بين الفرد والمؤسسات.


الوقاية: هندسة الصمود الفكري والاجتماعي
في محور الوقاية، أبرزت المداخلات أن المغرب راكم تجربة متميزة في تحصين المجال الديني والفكري عبر نموذج يقوم على الاعتدال والتوازن، مستندا إلى إمارة المؤمنين باعتبارها إطارا مؤسساتي يضمن استقرار المرجعية الدينية ويحول دون استغلال الدين لأغراض إيديولوجية.
وفي هذا السياق، لا تفهم الوقاية كمجرد إجراء أمني، بل كعملية بناء طويلة الأمد تستهدف تشكيل وعي جماعي قائم على الاعتدال، والتعدد، وقبول الاختلاف، بما يجعل المجتمع أقل قابلية لاختراق الخطابات المتطرفة.
إعادة التأهيل: من منطق العقوبة إلى منطق التحول
الشق الثاني من النموذج المغربي، كما تم عرضه، يتمثل في إعادة التأهيل، حيث تبرز تجربة برنامج “مصالحة” باعتباره إحدى أبرز المبادرات الإصلاحية في المنطقة و أطلقته وتشرف عليه كل من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والرابطة المحمدية للعلماء.
ويقوم البرنامج على فلسفة غير تقليدية تعتبر أن مواجهة الفكر المتطرف لا تتحقق بالعزل فقط، بل عبر تفكيك بنيته الفكرية والنفسية والاجتماعية، من خلال مسارات متكاملة تشمل التأهيل الديني، والدعم النفسي، والتوعية القانونية، والتثقيف الحقوقي، إلى جانب التأهيل الاجتماعي والاقتصادي.
وتقوم فكرة “مصالحة” على أربع مستويات مترابطة المصالحة مع الذات، مع المجتمع، مع النصوص الدينية، ومع الدولة، بما يجعل إعادة الإدماج عملية تحول داخلي وليست مجرد إجراء إداري فهي تجربة خاصة بإدارة السجون وموجهة للسجناء المدانين على خلفية قضايا التطرف والارهاب
كما ساهم إحداث مركز مصالحة في عام 2023 في تعزيز هذا المسار، عبر تطوير آليات المواكبة بعد الإفراج، وتوسيع دائرة المستفيدين لتشمل فئات مهددة بالتطرف، إضافة إلى دعم البحث العلمي وتبادل الخبرات في هذا المجال.


إعادة الإدماج: الأمن بوصفه اندماجا اجتماعيا
في البعد الثالث، أعاد النموذج المغربي تعريف مفهوم إعادة الإدماج باعتباره حجر الزاوية في استدامة الأمن، وليس مجرد مرحلة لاحقة للعقوبة.
وتقوم هذه المقاربة على إدماج المستفيدين في الدورة الاقتصادية والاجتماعية عبر التكوين المهني، ودعم المبادرات المدرة للدخل، وتعزيز الروابط الأسرية، وتوفير مواكبة مستمرة بعد الإفراج، بما يهدف إلى تقليص احتمالات العودة إلى مسارات الانحراف أو التطرف.
المغرب يقدم نموذج متوافق مع المعايير الأممية UNODC
من جانبها، أكدت السيدة بريجيت ستروبل-شو، المسؤولة عن قسم شؤون المعاهدات في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن التجربة المغربية تمثل نموذج متقدم في مجال الوقاية من التطرف العنيف، لكونها تجمع بين الصرامة القانونية والعمق الاجتماعي والإنساني.
وشددت على أن الاستجابات المستدامة للتطرف لم تعد ممكنة عبر الأدوات الأمنية وحدها، بل تتطلب نهج شامل يدمج العدالة الجنائية مع إعادة التأهيل والإدماج، بما يتماشى مع الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخطة عمل الأمين العام.
وأشادت بدور المغرب كشريك فاعل في تطوير هذا التصور، سواء على المستوى الوطني أو من خلال انخراطه في التعاون الدولي وتبادل الخبرات.
سفيان أهوجيل: التحول المغربي من الأمن الصرف إلى المقاربة المتعددة الأبعاد
في مداخلة تقنية معمقة، قدم السيد سفيان أحوجيل مستشار بديوان المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج (DGAPR)، عرض مفصل للتجربة المغربية، مؤكدا أن التحول الذي عرفه المغرب بعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003 شكل نقطة انعطاف حاسمة من مقاربة أمنية خالصة إلى نموذج متعدد الأبعاد.
وأوضح أن هذا التحول لم يكن شكليا، بل تأسس على قناعة بأن التطرف العنيف لا يمكن مواجهته فقط عبر العقوبة، بل عبر إعادة بناء الإنسان فكريا ونفسيا واجتماعيا.
وتوقف عند برنامج “مصالحة” بوصفه أحد أبرز تجليات هذا التحول، موضحا أنه يقوم على أربع ركائز أساسية:
التأهيل الديني والفكري، التثقيف القانوني وحقوق الإنسان، الدعم النفسي، وإعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
وأشار إلى أن إنشاء مركز “مصالحة” عام 2023 عزز الإطار المؤسساتي لهذا النموذج، من خلال توسيع نطاق التدخل ليشمل ليس فقط المدانين، بل أيضا الفئات المعرضة لخطر التطرف، إضافة إلى تطوير أدوات البحث والتقييم ونشر المعرفة عبر مجلة متخصصة في المجال.
كما أبرز أن التجربة المغربية اعتمدت على شبكة من الشراكات المؤسسية، تشمل علماء الدين، والفاعلين النفسيين والاجتماعيين، ومؤسسات التكوين المهني، ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بما يضمن مقاربة متكاملة ومتعددة الاختصاصات.
وأكد أن أحد أهم عناصر نجاح التجربة يتمثل في استدامة الأثر، حيث لا تتوقف عملية إعادة الإدماج عند الإفراج، بل تمتد عبر المتابعة والمواكبة ودعم المشاريع الفردية، بما يقلل من نسب العود بشكل ملموس.
رؤية دينية مؤسسية: تحصين المجال الروحي
وفي مداخلة نوعية، شدد السيد الحسين أمدجر على أن إمارة المؤمنين تمثل الضمانة الكبرى لاستقرار المجال الديني في المغرب، من خلال حماية الثوابت الدينية القائمة على العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني المعتدل.
وأوضح أن هذه المرجعية أسهمت في سد الثغرات التي يتسلل منها الفكر المتطرف، سواء عبر ضعف التأطير الديني أو التأويلات غير العلمية للنصوص، مؤكدا أن التجربة المغربية نجحت في تحويل الدين إلى عنصر استقرار روحي واجتماعي، لا أداة صراع أو توظيف سياسي.
خلصت الفعالية إلى أن النموذج المغربي لمكافحة التطرف لم يعد يقدم بوصفه سياسة وطنية فحسب، بل كـ خبرة قابلة للتقاسم دوليا ضمن منظومة الأمم المتحدة.
و أيضا بناء المناعة المجتمعية
فهو نموذج يقوم على إعادة تعريف الأمن باعتباره توازنا بين الردع والوقاية، وبين العدالة والإدماج، وبين الحماية وإعادة بناء الإنسان.
وفي ضوء النقاشات التي احتضنتها فيينا، بدا واضحا أن الرسالة الأساسية تتجاوز مكافحة التطرف إلى ما هو أعمق بناء مجتمعات قادرة على إنتاج الأمل قبل أن تنتج الخوف، والانتماء قبل الإقصاء، والحوار قبل الصدام