فيينا : دعاء أبوسعدة
في قارة ما زال الظلام يزور ملايين البيوت مع غروب الشمس، تتحرك أفريقيا اليوم نحو معركة جديدة عنوانها الطاقة… ومعها يبدأ الرهان على المستقبل.
فبين اتساع المدن، وتسارع النمو السكاني، وارتفاع الطلب على الكهرباء، لم تعد الطاقة مجرد خدمة، بل أصبحت قضية بقاء وتنمية وسيادة اقتصادية.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى العاصمة الرواندية كيغالي، التي تستضيف النسخة الثانية من قمة الابتكار في مجال الطاقة النووية بأفريقيا، بمشاركة حكومات وهيئات تنظيمية ومؤسسات تمويل وشركات تكنولوجيا، في محاولة لرسم ملامح مرحلة جديدة قد تغير خريطة الطاقة في القارة السمراء.
الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بقيادة مديرها العام رافائيل ماريانو جروسي، تقود هذا التحول عبر دعم الدول الأفريقية الراغبة في دخول العصر النووي، ليس بوصفه ترفا تكنولوجيا ، بل كخيار استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة، وتقليص فجوة الطاقة التي ما زالت تحرم نحو 600 مليون أفريقي من الكهرباء.
ورغم أن جنوب أفريقيا تبقى الدولة الأفريقية الوحيدة التي تمتلك محطة نووية عاملة، فإن المشهد يتغير سريعا.
فـمصر تمضي في إنشاء محطة الضبعة النووية بأربع وحدات، وسط توقعات بدخول أولى وحداتها الخدمة عام 2028، بينما تتسابق دول أخرى مثل غانا وكينيا ونيجيريا ورواندا والسنغال نحو بناء البنية التحتية اللازمة لإطلاق برامجها النووية.
ويبدو أن “المفاعلات المعيارية الصغيرة” أصبحت كلمة السر في هذا التحول فهي تمنح الدول النامية فرصة امتلاك طاقة نووية أقل تكلفة وأكثر مرونة، وقادرة على خدمة المناطق البعيدة وشبكات الكهرباء المحدودة، بل وتوفير الطاقة للصناعات الثقيلة وعمليات التعدين في قلب القارة.
ولا تملك أفريقيا فقط حلم الطاقة، بل تملك أيضا جزءا من مفاتيحه إذ تنتج القارة نحو 14% من اليورانيوم العالمي، مع حضور بارز لكل من ناميبيا والنيجر وجنوب أفريقيا ضمن كبار المنتجين عالميا.
لكن الطريق نحو المستقبل النووي لا يمر عبر التكنولوجيا وحدها، بل عبر التعاون الإقليمي والتمويل طويل الأمد.
ولهذا تتجه الدول الأفريقية نحو بناء شبكات كهرباء مترابطة وأسواق موحدة للطاقة، ضمن مشروع “سوق الكهرباء الأفريقية الموحدة”، الذي يستهدف إنشاء أكبر سوق كهرباء موحدة في العالم لخدمة أكثر من 1.3 مليار نسمة.
ورغم التحديات المالية الثقيلة، فإن الشراكات الدولية بدأت تفتح أبوابا جديدة، خاصة بعد التعاون المتجدد بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبنك الدولي لدعم مشاريع الطاقة النووية وتحديث شبكات الكهرباء والمفاعلات الصغيرة.
وفي النهاية، تدرك أفريقيا أن الطاقة النووية ليست مشروع سنوات قليلة، بل مشروع قرن كامل… يحتاج إلى استقرار سياسي، وإرادة وطنية، وثقة شعبية، وقدرة على حماية الإنسان والبيئة معا.
إنها ليست مجرد مفاعلات تبنى، بل قارة كاملة تحاول أن تكتب مستقبلها بالنور، بعدما أنهكها الانتظار في العتمة