بقلم : دعاء أبوسعدة
في الغربة، لا يبحث الناس فقط عن سفارة تنجز الأوراق، ولا عن مسؤول يوقع المعاملات في مواعيدها.
هم يبحثون، دون أن يقولوا ذلك صراحة، عن شيء أعمق…
عن ملامح وطن تمشي بينهم، وعن شخص يمنحهم ذلك الشعور النادر بأن مصر لا تزال قريبة رغم آلاف الكيلومترات.


ولهذا لم يكن خبر انتهاء فترة عمل المستشار محمد البحيري، قنصل مصر في فيينا، خبرا عابرا داخل أوساط الجالية المصرية بالنمسا.
فالذين عاشوا سنوات وجوده بينهم، لم يروا فيه مجرد دبلوماسي يؤدي مهامه الرسمية، بل إنسانا استطاع أن يحول العلاقة التقليدية بين القنصل والجالية إلى علاقة أقرب للعائلة فترك بذلك فراغا في القلوب لا في المنصب.
هناك مسؤولون يكتفون بالظهور في المناسبات الرسمية، ثم يختفون خلف أبواب المكاتب الثقيلة.
لكن البحيري اختار طريقا مختلفا تماما
اقترب من الناس إلى درجة جعلتهم يشعرون أنه واحد منهم، يعيش تفاصيلهم اليومية، ويعرف جيدا كيف تكون قسوة الغربة حين يغيب الاحتواء.


كان حاضرا في الأفراح كما لو كانت تخصه شخصيا، وفي لحظات القلق كأنه أخ أكبر يحاول طمأنة الجميع.
لم يتعامل مع أبناء الجالية باعتبارهم ملفات أو أسماء في سجلات قنصلية، بل كأبناء وطن يحملون هم البعد نفسه.
واللافت أن أكثر ما بقي في ذاكرة الناس عنه، لم يكن الاجتماعات الرسمية ولا الصور البروتوكولية، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الحقيقي في حياة البشر.

في الأنشطة الرياضية مثلا، لم يكن يجلس متفرجا من بعيد يكتفي بالتصفيق أو المجاملة، بل كان ينزل إلى الملعب بنفسه، يشارك الشباب مبارياتهم ومسابقاتهم، يركض معهم، ينافسهم بحماس حقيقي، يضحك بعفوية، ويصنع وسط كل ذلك لحظات بسيطة تحولت مع الوقت إلى ذكريات لا تنسى.
كان المشهد بالنسبة للكثيرين استثنائيا
أن ترى مسؤولا دبلوماسيا يحمل كل هذه المسؤوليات، ثم تجده وسط الشباب يلعب وكأنه صديق قديم يعرفهم منذ سنوات طويلة.
وربما هنا بالتحديد كانت تكمن قيمته الإنسانية في تلك القدرة النادرة على إزالة الحواجز دون أن يفقد هيبته أو احترامه.


حتى المواقف الطريفة التي حدثت خلال المباريات والتجمعات المختلفة، أصبحت اليوم جزءا من ذاكرة الجالية المصرية في فيينا، تحكى بحنين واضح، وكأن الناس تحاول من خلالها الاحتفاظ بشيء من حضوره بعد الرحيل.


ولأن المحبة الحقيقية لا تحتاج إلى بيانات رسمية لتظهر، لم يكن غريبا أن تقام له أكثر من أمسية ولقاء وداع من أبناء الجالية المصرية.
ولم تكن تلك اللقاءات مجرد مراسم مجاملة معتادة، بل بدت أقرب إلى رسائل وفاء جماعية لرجل استطاع خلال سنوات عمله أن يترك أثرا يتجاوز حدود الوظيفة والمنصب.

في كل لقاء وداع، كان هناك شيء واحد واضح في الوجوه والكلمات
الناس لم تأت لتوديع “قنصل” انتهت مهمته، بل جاءت لتوديع إنسان عاش بينهم بصدق، وشاركهم تفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها من فرح وتعب وضحكات وقلق.
ومع مشاعر الحزن التي رافقت لحظات الوداع، حرص أبناء الجالية المصرية في فيينا على التعبير عن امتنانهم الكبير لما قدمه لهم طوال فترة عمله، متمنين له دوام النجاح والتوفيق في منصبه القادم وفي حياته الشخصية، مؤكدين أن بصمته الإنسانية ستظل حاضرة داخل ذاكرة المصريين بالنمسا لسنوات طويلة

لقد أثبت المستشار محمد البحيري أن الدبلوماسية ليست دائما لغة بروتوكولات جامدة، بل قد تكون أحيانا شكلا راقيا من الإنسانية.
وأن المسؤول الحقيقي ليس من يصنع المسافة بينه وبين الناس، بل من يمنحهم شعور الطمأنينة وهم بعيدون عن وطنهم.

ومع انتهاء رحلته المهنية في فيينا، يبقى اسمه حاضرا داخل ذاكرة الجالية المصرية ليس بوصفه مسؤولا سابقا ، بل بوصفه واحدا من الوجوه التي جعلت الغربة أقل برودة… وأكثر شبها بمصر