في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة، يأتي قرار تنظيم مواعيد الغلق في الساعة التاسعة مساءً كإجراء يستهدف بالأساس ترشيد استهلاك الطاقة وتقليل الضغط على شبكات الكهرباء. فخفض ساعات التشغيل اليومية للأنشطة التجارية ينعكس مباشرة على تقليل الأحمال، وترشيد الاستهلاك في أوقات الذروة، وهو ما يمثل خطوة مهمة في إدارة الموارد بكفاءة ومسؤولية.
ولا شك أن الحفاظ على الطاقة لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية ومتطلبات الاستدامة، خصوصًا في الدول التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وترشيد الإنفاق العام.
غير أن هذا القرار لا ينبغي النظر إليه من زاوية اقتصادية بحتة، إذ إن آثاره تمتد إلى نمط حياتنا اليومي وإلى مفهوم الإنتاج ذاته. فعلى مدار سنوات، اعتاد المجتمع إيقاعًا يوميًا غير منضبط؛ سهر طويل، وبداية متأخرة ليوم العمل، وإرهاق متراكم ينعكس سلبًا على مستوى الأداء والإنتاجية.
العلم يؤكد أن الساعة البيولوجية للإنسان مهيأة للنشاط خلال ساعات النهار، وللراحة ليلًا. وعندما يختل هذا التوازن، تتراجع القدرة على التركيز، ويزداد الإجهاد، وتنخفض معدلات الإنجاز. ومن هنا فإن إعادة تنظيم مواعيد العمل والحياة اليومية تمثل خطوة نحو تحسين جودة الأداء الفردي والجماعي على حد سواء.
تجارب العديد من الدول الصناعية توضح أهمية الانضباط الزمني في تحقيق الإنتاجية المرتفعة. ففي ألمانيا وسويسرا، تُغلق المتاجر في أوقات مبكرة نسبيًا، وتُحترم ساعات الراحة باعتبارها جزءًا من منظومة العمل الناجح. أما في اليابان، فقد شهدت السنوات الأخيرة توجهًا واضحًا نحو تقليل إرهاق العاملين وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، إدراكًا لأثر ذلك المباشر على الإنتاج القومي.
ومن ثم، فإن تنظيم مواعيد الغلق في مصر يمكن أن يمثل فرصة لإعادة ضبط إيقاع الحياة العامة، بحيث يصبح النهار مساحة حقيقية للعمل المنتج، ويصبح الليل وقتًا للراحة والتعافي الأسري. إن المجتمع الذي يحترم الوقت وينظم جهده، هو مجتمع يضع أسس التقدم المستدام.
إن تحويل هذا القرار إلى ثقافة مستقرة لا يحقق فقط مكاسب اقتصادية في مجال الطاقة، بل يفتح الباب أمام مجتمع أكثر توازنًا، وصحة أفضل للمواطن، وأداء أعلى في مختلف القطاعات.
وفي النهاية، فإن التنمية لا تقاس بعدد الساعات التي نعملها، بل بمدى كفاءة تنظيمها. واحترام الوقت قد يكون الخطوة الأولى نحو بناء دولة عصرية تقوم على الانضباط، وترشيد الموارد، وتعظيم الإنتاج
عضو هيئة مكتب الأمانة القانونية المركزية – حزب مستقبل وطن